فخر الدين الرازي

263

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : القول في : بُعْثِرَ مضى في قوله تعالى : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [ الانفطار : 4 ] وذكرنا أن معنى : بُعْثِرَتْ بعث وأثير وأخرج ، وقرئ ( بحثر ) . المسألة الثانية : لقائل أن يسأل لم قال : بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ولم يقل : بعثر من في القبور ؟ ثم إنه لما قال : ما فِي الْقُبُورِ ، فلم قال : إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ ولم يقل : إن ربها بها يومئذ لخبير ؟ الجواب عن السؤال الأول : هو أن ما في الأرض من غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب ، أو يقال : إنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل بعد البعث يصيرون كذلك ، فلا جرم كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء ، والضمير الثاني ضمير العقلاء . ثم قال تعالى : [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 10 ] وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 ) قال أبو عبيدة : أي ميز ما في الصدور ، وقال الليث : الحاصل من كل شيء ما بقي وثبت وذهب سواه ، والتحصيل تمييز ما يحصل والاسم الحصيلة قال لبيد : وكل امرئ يوما سيعلم سعيه * إذا حصلت عند الإله الحصائل وفي التفسير وجوه أحدها : معنى حصل جمع في الصحف ، أي أظهرت محصلا مجموعا وثانيها : أنه لا بد من التمييز بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور ، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل : المحصل وثالثها : أن كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره ، أما في يوم القيامة فإنه تنكشف الأسرار وتنتهك الأستار ، ويظهر ما في البواطن ، كما قال : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] . واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال : إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه ، فتبني المقبرة وتشتري / التابوت ، وتفصل الكفن وتغزل العجوز الكفن ، فيقال : هذا كله للديدان ، فأين حظ الرحمن ! بل المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعد للطفل ثيابا ، فإذا قلت لها : لا طفل لك فما هذا الاستعداد ؟ فتقول : أليس يبعثر ما في بطني ؟ فيقول الرب لك : ألا يبعثر ما في بطن الأرض فأين الاستعداد ، وقرئ ( وحصل ) بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر . ثم قال : [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 11 ] إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ( 11 ) اعلم أن فيه سؤالات : الأول : أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة ، وذلك يقتضي سبق الجهل وهو على اللّه تعالى محال : الجواب من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول : إن من لم يكن عالما ، فإنه يصير بسبب الاختبار عالما ، فمن كان لم يزل عالما أن يكون خبيرا بأحوالك ! وثانيهما : أن فائدة تخصيص ذلك الوقت في قوله : يَوْمَئِذٍ مع كونه عالما لم يزل أنه وقت الجزاء ، وتقريره لمن الملك كأنه يقول : لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو ، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك ، فكأنه تعالى يقول : لست كذلك . السؤال الثاني : لم خص أعمال القلوب بالذكر في قوله : وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ وأهمل ذكر أعمال الجوارح ؟